جان لوئيس بوركهارت
269
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
بعضهم ضفاف عطبرة . وتتكلم القبيلتان العربية . وأيام كنت بشندى عاد الجعليون من حملة موفقة على القبيلتين غنموا فيها مائتي بعير من مضاربهم على مسيرة أربعة أيام من شندى . ومثل هذا التناحر بين القبائل تجده في بادية الشام وصحراء العرب ، إذ قل أن تصادف فيهما قبيلة ذات شأن لا تناصبها العداء قبيلة أخرى تنافسها قوة وسلطانا . وهذه الغارات والحملات التي تشنها القبائل على بعضها البعض كفيلة بتأجيج الروح الحربية وروح المنافسة في صدور شبابها . على أن هذه الحملات قلّ أن تشنها قبائل العرب على جيرانهم الأقربين ، وقد تنشب الحرب بين الجيران ، ولكن سرعان ما يعقبها الصلح والتحالف . وعرب الأقطار الجنوبية - فيما خلا النازلين منهم وادى النيل - يتحركون حركتين واسعتين كل عام بالإضافة إلى حركاتهم اليومية . فهم في الصيف ينزحون إلى الجبال حيث عيون الماء وحيث الكلأ الذي لا يجدونه في السهول الجافة . وتجدهم هم وقطعانهم منبثين - في الفصل المطير - فوق الرقعة الفسيحة الواقعة بين عطبرة والنيل ينتجعون مراعيها الموفورة الكلأ . والكواهلة - فيما يروى - أقوى من الشكرية وإن لم يدانوهم عددا . وكلا القبيلتين تدين بالإسلام ولو اسميا . ويقال إن الماشية التي يقتنونها ماشية ممتازة . ولعل القارئ ينتظر أن أسوق إليه طرفا من المعلومات الجغرافية عن الأقطار المحيطة بشندى مع أنني لم أمكث بها أكثر من شهر ، ولم تكن ظروفى مما يعين على جمع مثل هذه المعلومات . على أن مستر براون قد سبقني إلى تفصيل القول عن جغرافية هذه الأقطار . أما الأقطار الواقعة إلى الجنوب من شندى ، وإلى الشرق منها بينها وبين الحبش ، فقد أخفقت لسوء حظى في جمع أية معلومات عنها ، لا لتوان منى أو إهمال ، بل لأن تدوين المذكرات أيا كانت كان ضربا من المحال وأنا في الركب . وكنت على يقين - وأنا محوط من كل جانب بقوم فضوليين يأخذون علىّ كل حركة وسكنة ، ومجرد من أية حماية تظلني غير مابى من خصاصة - كنت على يقين من أنني لو أثرت شبهة